الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
145
انوار الأصول
في المسألة أقوال ثلاثة : 1 - ما ذهب إليه المشهور من عدم تنجّس الملاقي مطلقاً . 2 - ما حكي عن العلّامة في المنتهى وابن زهرة في الغنية من التنجّس ووجوب الاجتناب مطلقاً . 3 - ما أفاده المحقّق الخراساني رحمه الله في الكفاية من التفصيل بين صور ثلاث : ففي صورة قال بوجوب الاجتناب عن الملاقي والملاقى معاً ، وفي صورة أخرى قال بوجوب الاجتناب عن خصوص الملاقى ، وفي صورة ثالثة قال بوجوب الاجتناب عن الملاقي دون الملاقى . وبما أنّ المسألة ليس لها دليل خاصّ فلا بدّ من الرجوع إلى الأدلّة الأوّليّة الجارية في أطراف العلم الإجمالي وملاحظة أنّها هل تشمل ملاقيها أو لا ؟ والصحيح عدم الشمول ، لأنّ وجوب الاحتياط في أطراف العلم الإجمالي كان مبنيّاً على وجهين : وجوب المقدّمة العلميّة ، وتعارض الأدلّة المرخّصة ، وكلاهما غير جاريين في المقام . أمّا الأوّل : فلأنّ ما يكون مقدّمة للعلم بالفراغ عن خطاب « اجتنب عن النجس » مثلًا إنّما هو الاحتياط في نفس الأطراف التي يحتمل انطباق المعلوم بالإجمال على بعضها ، دون غيرها ممّا لا يحتمل انطباق المعلوم عليه وإن كان محكوماً عليه بحكم بعض الأطراف واقعاً ، لكون ذلك البعض علّة لنجاسة ملاقيه ، لكن الملاقي على هذا التقدير فرد آخر ليس ارتكابه مخالفة لخطاب « اجتنب عن النجس » المعلوم إجمالًا ، بل مخالفة لخطاب آخر وهو « اجتنب عن ملاقي النجس » الذي هو مشكوك الوجود . وأمّا الثاني : فلأنّ المفروض حصول الملاقاة بعد تساقط الأصول المرخّصة بأحد المنشأين المذكورين سابقاً ( تعارضها أو التناقض بين صدر الأدلّة وذيلها ) فالأصل المرخّص الجاري في الملاقي لا معارض له . إن قلت : كيف يمكن التفكيك بين الملاقي والملاقى في الحكم مع العلم باتّحادهما في الواقع ؟ قلنا : إنّ عدم الفرق في مقام الواقع والثبوت بين شيئين لا ينافي التفكيك بينهما في مقام الإثبات والحكم الظاهري ( كما ثبت في محلّه ) نظير ما أفتى به المحقّقون من التفرقة بين الماء المشكوك الكرّية الذي لم يعلم حالتها السابقة ، والثوب النجس الملاقي به ، فأفتوا ببقاء الماء